الأخـوة شـعار أمـتنا

 

التسبيح في دقائق السحر الغالية ، والتعامل الأخوي الإيماني : ركيزتان متلازمتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة وعينان نضاحتان ، تسكبان خيرا للدعاة لا ينضب . ( أنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة ، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم ، فاذا انهارت واحدة منهما لم يكن هنالك دور لها تؤديه .)

التقوى أولا

إنما التسبيح عنوان الإيمان وإسلام النفس لله تعالى ، والإيمان عنوان التصور الموزون ، ضمانة الثبات أمام مخاطر الطريق .

( ركيزة الايمان والتقوى أولا .. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل .. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حيتى يبلغ الكتاب اجله : " يا ايها الذين الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته . "

اتقوا الله ـ كما يحق له ان يقتى ـ وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق ، وجدت له اشواق . وكلما اقترب بتقواه من الله ، تيقظ شوقه الى مقام أرفع مما بلغ ، والى مرتبة وراء ما أرتقى ،  وتطلع الى المقام الذي استيقظ فيه قلبه فلا ينام ! " ولا تموتن إلا وانتم مسلمون "

والموت غيب لا يدري انسان متى يردكه فمن اراد الا يموت الا مسلما فسبيله ان يكون منذ اللحظة مسلما ، وان يكون في كل لحظة مسلما . وذكر الاسلام بعد التقوى يشي بمعناها الواسع : الاستسلام لله طاعة له ، واتباعا لمنهجه ، واحتكاما الى كتابه . وهو المعنى الذي تقرره سورة آل عمران كلها في كل موضع منها .

هذه هي الركيزة الاولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها .

(لا بد من الايمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر ، فأن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي ، فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل ، ولا بد من الرجوع الى تصور ثابت للخير وللشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف وللمنكر ، يستند الى قاعدة اخري غير اصطلاح الناس في جيل من الاجيال .

            وهذا ما يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه، وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون… ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية، ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد، ومن سلطان الله في الضمائر، وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك.

ثم لابد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير، الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ، ويتحملوا تكاليفه ، وهو يواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح وكلل العزائم ، و ثقلة المطامع … وزادهم هو الايمان ، وعدتهم هي الايمان ، وسندهم هو الله … وكل زاد سوى زاد الايمان ينفد ، وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل ، وكل سند غير سند الله ينهار .)

ويحدثنا اقبال عما فعله هذا الايمان من توحيد التصور الذي انتبه اليه سيد قطب فيقول :وحد الرئي لنا والفكرة

فهذا اقصى ما يكون م الاتحاد ، بأدنى ما يكون من الوسائل ، فالرؤية واحدة ، والفكر والخيال واحد ، والرجاء واحد ، والمصير واحد ، كل ذلك يعطيه الايمان ، وما اسهل تناوش من ملك القلب لهذا الايمان البسيط ، ذي الاعطيات الثمنية .

ونثني بالاخـوة …

( أما الركيزة الثنائية فهي ركيزة الأخوة .. والاخوة في الله ، على منهج الله لتحقيق منهج الله ." فلا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ، اذ كنتم اعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته اخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . "

            فهي أخوة أذن تنبثق من التقوى و الاسلام … من الركيزة الأولى … اساسها الاعتصام بحبل الله ـ أي عهده ونهجه ودينه ـ وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، وعلى أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة ! " واعتصموا بحبل الله جمعياً ولا تفرقوا .. "

هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله جميعا نعمة يمتن الله بها لمن يحبهم من عباده دائما

( وهكذا قامت الجماعة المسلمة الاولى ـ في المدينة ـ على هاتين الركيزتين على الايمان بالله : ذلك الايمان المنبثق من معرفة الله ـ سبحانه ـ وتمثل صفاته في الضمائر  ، وتقواه ومراقبته ، واليقظة والحساسية الى حد غير معهود الا في الندرة من الاحوال . وعلى الحب .الحب الفياض الرائق ، والود . والود العذب الجميل، والتكافل . التكافل الجاد العميق .. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا، لولا أنه وقع ، لعد من احلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والانصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها اقرب الى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض ، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان !

            وعلى مثل ذلك الايمان ، ومثل هذه الاخوة ، يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان ..)

            ومن هنا كانت هذه العودة الى محاولة تأكيد معنى الأخوة كجزء من احياء

فقه الدعوة ، فان الاخوة شرعة دعوتنا وشعارها واسمها، وميثاقها الذي واثقتنا به، وكتابها الذي كتبته على نفسها، وما زالت تأتي دعوتنا المباركة بائر جديدة من تجاربها المتكررة تسرع بها الى ابتغاء كل وسيلة الى هذه الفضيلة ، وتجميع انصارها الى الله على التحابب ، والتكافل ، والتسامح ، ومكملات هذه الرواسي الشامخات ، وكمالها ان ترى من بعد وحدة الرؤية والفكر والخيال والرجاء والمصير : وحدة القلب والروح ، بل ووحدة اللفظ ، كما اراد اقبال حين يقول :

نحن من نعمائه حلف اخاء

عقـد الأخـوة

ويظل هذا الاتحاد يتنامى حتى يكون عقدا واجب الوفاء ، فقد تلكم ابن تيمية عن

(عقد الأخوة) هذا ، وبين أن الحقوق التي ينشئها إذا كانت من جنس ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم في احاديثـه لكل مؤمن على المؤمنين فانما هي :

(حقوق واجبة بنفس الايمان ، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج ، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله ، وهذه ثابته لكل مؤمن على كل مؤمن وأن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة .)

            فيأتي العقد ليؤكدها أذن ، ولم يحصل خلاف إلا في التوارث عند عدم وجود القرابة كما كان الانصار والمهاجرون يتوارثون بالتآخي الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أول مقدمة المدينة ، فقد قال اكثر الفقهاء بنسخ ذلك ، واجازة ابو حنيفة واحمد بن حنبل في أحدى الروايتين عنه .

            ان هذا العقد الاخوي يزيد الواجب الايمان؀

ي ثبوتا ، وما اراه الا كبيعة سلمه بن الاكوع الثانية رضي الله عنه يؤكد بيعته الاولى حين كانتا في ساعة واحدة يوم الحديبية تحت الشجرة ، كما جاء عنه في صحيح البخاري قوله : ( بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، فقال لي : يا سلمة : الا تبايع ؟ قلت:يا رسول

الله قد بايعت في الاول . قال وفي الثاني.) وكذلك المسلمون : أوجب الاسلام على بعضهم البعض حقوقا ، ويتابعون بعقد اخوة في الثاني ، زيادة خير، وابتغاء توثق، وعنصر تذكير لتنشأ الجماعة المؤلفة المتماسكة المستحكمة التي وصفها اقبال رحمه الله في رموزه حين يقول : كل فرد بأخيـه ائتلفا

 وهكذا ، فأنه ليس من عمل للداعية المسلم اليوم أثمن من غدوة يهب فيها لدعوته ـ بفضل الله ـ ناشئا يغمس نفسه فيؤازره ، فيستغلظ ، فيستوي على عقد الاخوة ، يعجب الدعاة ، ويغيظ الكفار به الكفار .

آفات المجالس :

وهذا الانغماس يؤدي الى الاجتماع والمجالسة وبالتالي ، ولذلك وجب التعرف على المجالسة النافعة ، الابتعاد عن المجالسة الضارة .

ولابن القيم كلام موجز شامل في ذلك ، يدل على تجربة داعية من اهل الوعي ، شخص فيه اخطار المجال فقال : ( الاجتماع بالاخوان قسمان : احدهما على مؤانسة الطبع وشغل الوقت ، فهذا مضرته ارجح من منفعته ،واقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت .

الثاني : الاجتماع بهم على التعاون على اسباب النجاة والتواصي بالحق والبصر ، فهذا من اعظم الغنيمة وانفعها ، ولكن فيه ثلاث آفات :

أحدهما : تزين بعضهم لبعض .

الثانية : الكلام والخلطة اكثر من الحاجة .

الثالثة : أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود .

والذي يؤسف له ان مخاوف ابن القيم هذه تحولت الى واقع تحياه بعض مجالس الدعاة الحالية ، ووجد التزين وسيلة ليظهر فينا ، وزادت الخلطة بين الدعاة عن مقدارها الذي تحتاجه الدعوة وتحولت الى شبه بطالة وشهوة تلهي عن مقصود تجمعنا في متابعة العمل مع الناشئة والجدد ، وفي الانطلاق خلال المجتمع العام لتبليغه كلمة الاسلام .

والمرء يعجب من صغيره غيره.!

ولو أن عادتي التزين والبطالة تقفان عند حدهما لعولج أمرهما بمجرد استنهاض وتذكير خفيفين ، ولكن هاتين الأفتين تتعديان في آثارهما ، ويتولد عن اجتماعهما خلق الضيق عن العفو ، بينما يشير استقراء الحياة الجماعية الى ضرورة خلق التسامح والمرونة لمن يحياها.

            وقد يظن البعض أن مثل هذا الكلام اقرب الى مواعظ العامة منه الى بحوث الدعوة ولكن من يعاني ادارة العمل اليومي للدعوة الاسلامية يدرك ضرورته ، ويعرف كم من الترف ، بل والخطر ، يمكن فيه يتعالى مثل هذه المواعظ ليهمس بمعاني فنون التخطيط والعمل السياسي في آذان من تضيق صدور بعضهم عن معاني التسامح والعفو عن صاحب الزلة والخطأ ،ولابد من اقتران التوعية العملية للداعية المسلم بالتربية الخلقية الايمانية ، ولابد من سيرهما معا.

            وهذا هو مصدر اصرار الاقدمين والمعاصرين على التوصية بسعة الصدر والتحابب الاخوي . يقدمهم الفضيل بن عياض فيقول :

( من طلب اخا بلا الاعيب صار بلا أخ .) فضع في حسابك عندما تعقد ( عقد الأخوة ان تتعاقد معه غير معصوم. ويتلوه رويم البغدادي  الزاهد فيقول ( الفتوة : ان تعذر اخوانك زللهم ، ولا تعاملهم بما يحوجك الى الاعتذار اليهم .)

            ويأخذ الشعراء دورهم في التوصية فيقول مشرقيهم :

                        لا لوم في خطأ ولا تثريبا

                                                                        سامح أخاك إذا أتاك بزلة

ولكن كم أرتنا الايام من قال هجرا ، وتراه اذا ما دعوته الى اللين يعبس ويبسر ، ويذهب مغاضبا ، كأنما تدعوه الى شيء نكر وانما هي سذاجة نفس نريد ان نقيه اياها ، وانما هو تربص العدو نريد ان نبعده عنه ، بما عرفنا عن عدونا من قعوده للدعاة صراطا اخوتهم المستقيم.

            وهاؤم تفصحوا تاريخنا ، كم من منتصر لنفسه استعجل فخاصم ، فما استطاع من قيام وكان منتصرا ، ولفته دوامة العيش المعقد فضاع في خضهما منسيا ، يأكل ويشرب ، وليس له من بعد ذلك نوع وجود .

            ان جموع هؤلاء المغاضبين انما تأخرت وضاعت في تيار الدنيويات بما كانت بموازين الاخوة تخل ، لو انهم استقاموا على الطريقة الاولى وراغوا الى فقد الاخوة الموروث ، لمامسهم اللغوب والضياع .

أن الفقه الذي ورثناه عن التابعي بكر بن عبد الله المزني ينص على انك : ( إذا وجدت من اخوانك جفاء فذلك لذبن احدثته ، فتب الى الله تعالى ، واذا وجدت منهم زيادة محبة فذلك لطاعة احدثتها فاشكر الله تعالى .)

فاتهم نفسك إذا عوملت بجفاء أو رأيت نوع تقصير في حقك الذي تظنه قبل ان

تبادر الهجوم .

            ومثل هذا ما ورثناه عن أبي سعيد الخراز ، فانه ينص على ان : ( من أدب المريد وعلامة صدق ارادته : ان يكون الغالب عليه : الرقة والشفقة والتلطف ، والبذل واحتمال المكاره كلها عن عبيده وعن خلقه ، حتى يكون لعبيده أرضا يسعون عليها ، ويكون للشيخ كالابن البار ، وللصبي كالأب الشفيق ويكون مع جميع الخلق على هذا ، يتشكى بشكواهم ، ويغتم لمصايبهم ، ويصبر على أذاهم فان هذا مراد الله تعالى من المريدين الصادقين : ان يعطفوا على الخلق من حيث عطف الله تعلى عليهم ، ويتأدبوا بآداب الانبياء والصديقين، واداب أوليائه واحبابه.) فهذان نصان قديمان من فقه الاخوة الايمانية ، يصوغهما عبد الوهاب عزام في العصر الحديث في بيتين جامعين من مثانيه ويقول :

في فؤادي بحران: ملح وعذب

فأنت مطالب ايها الداعية المسلم أن تملأ قلبك من مشاعر الاخوة في الله لاخوان العقيدة بقدر ما يجب ان تضع فيه من مقت اهل الباطل البغاة.

 

Free Web Hosting