الدقائـق الغاليـة

محمد الراشد

 

    سجود المحراب، واستغفار الأسحار، ودموع المناجاة: سيماء يحتكرها المؤمنون ولئن توهم الدنيوي جنانه في الدينار، والنساء، والقصر المنيف، فأن:

·        جنة المؤمن في محرابه ([1])   

ولقد من الله على الناس بكثير من المباح الحلال يفند الرهبانية، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه، وصفاء روح، تتضاءل بجانبها لذة المباح، فيهجر الكثير منه حذر من كدر يعكر الصفاء الذي هو فيه.

      جرب ذلك المؤمنون ذلك قديماً، زمن العيش البسيط، وعاشر السهر وردي شلة منهم، فوصفهم، وخرج بنتيجة، فقال:

( الذائقون حلأوة المناجاة لابد أن يجدوا صفو الأنس في الصلاة، ويتكدرون بيسير من الاسترسال في المباح ([2]).)

      وجربه المؤمنون اليوم، زمن المدينة المعقدة، وأنابوا صالحا منهم يصف ما يجد كل منهم، ويقول:

هاتنـي سجادتي
 

 

 

فهي صفائي وسـروري

 

وهي شوقي ودثاري
 

 

 

وهي نبراس الطهـور
 

ثم دعني في صـلاتي
 

 

 

في مناجاة القديـر([3])
 

 

 

 

فهي صفاؤه، و سروره، وشوقه.

بل أن الصلاة في يوم هذه المدينة لأظهر في إضفائها السرور، فبينما يطيل التعقيد على الإنسان حياته الحاضرى، فيسأم، ويمل، ويضجر، تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب، فتعيش في اطمئنان، وراحة بال، ولئن كان لنظرية آينشتاين في نسبية الوقت نصيب الصحة ، فأن في الصلاة هذا النصيب، كما يشرحه مصطفى صادق الرافعي ويقول: ( يا لها من حكمة ان فرض الله علينا هذا الصلوات بين ساعات وساعات، لتبقى الروح ابدأ اما متصلة أو مهيأة لتتصل،  ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه، فخاف أن يقف بين يديه مخطئا أو آثما، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الاخرى، وانها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس وطهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير، كأنه بجملته ـ مهما طال ـ عمل بضع ساعات ([4]). )

هو كويل جداً، مخيف مظلم للجاهلي. وهو قصير، هين منير للمصلي.وحية الجاهلي ركود مستمر.وحياة المصلي حركة، تزيد صوابا، أو تستدرك أعوجاجا.

وأنها ( الله أكبر) تنهي هذا الركود، وتؤسس الحركة. ( الله اكبر. !)

بين ساعات وساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف:

أيها المؤمن: ان كنت أصبت في الساعات التي مضت، فأجتهد للساعات التي تتلو.

وأن كنت أخطأت فكفر، وامح ساعة بساعة. ([5]))

وأظهر حركة يولدها التكبير: حركة التمييز والفرقان، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.فأنك أن قلت: ( أهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين انعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين.) أستشعرت في كل ركعة من هذه الاصناف الثلاثة، وتختص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد، أو بلد واحد، فتجول في ركعات يومك بلاد الاسلام أجمع.

      ففي ركعة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الاطهار رضي الله عنهم مثلا لمن أنعم الله عليهم ولا الضالين.

      وفي ركعة اخرى تذكر هودا وصالحا مثلا ممن أنعم الله عليهم، عليهم السلام، وعادا وثمود من الهالكين.    

      وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين وابن المسيب ممن أنعم الله عليهم، واهل الردة، والجهم بن صفوان، والجعد بن درهم من المتخبطين.

      وفي ركعة اخرى تذكر الامام احمد بن حنبل ورهطه من المحدثين الموفقين،  وبشرا المرسي وابن دأود من الظالمين.

      وفي اخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين، واصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم والشطح والابتداع من المدلسين.

      وفي اخرى تذكر الامام البنا وعودة وسيد، وثباتهم امام الطغاة المتجربين.

      وفي اخرى تذكر حركة النور، وحزب ماشومي، وضلال أتاتورك وسكارنو من الكاذبين.

وبذلك تعقل صلاتك، والمرء ليس له من صلاته الا ما عقل منها ن وتجدد عهدك مع اجيال المؤمنين، وتنبذ المفسدين، وتلك هي حركة الايمان، فأن الايمان الحق ما أخذ منك الولاء، وتركك على المفاصلة.

·     رجال مدرسة الليل

ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون. فمن ثم كانت مدرسة الليل. وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين ( كانوا قليل من الليل ما يهجعون، وبالاسحار هم يستغفرون.) وإذا انتصف الليل، في القرون الأولى كانت اصوات المؤذنين ترتفع تنادي:

يا رجال الليل جدوا

 

 

 

رب صوت لا يـرد

 

ما يقوم الليـل إلا

 

 

 

من له عـزم وجـد([6])

 

 

 

 

      وانها حقاً لمدرسة، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يزكوا شعلة حماسهم، وينشروا النور في الارجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية.

      وانها لتجربة اقبال يوجزها فيقول:

نائح والليل ساجع سادل

 

 

 

يهجع الناس ودمعي هاطل

 

تصطلي روحي بحزن وألم

 

 

 

ورد " يا قيوم " أنسي في الظلم

 

انا كالشمع دموعي غسلي

 

 

 

في ظلام الليل أذكي شعلي

 

محفل الناس بنوري يشرق

 

 

 

انتشر النور ونفسي أحرق([7])

 

 

 

 

وأن دعوة الاسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين ما لم تهل بـ ( يا قيوم ).

      ما نقول هذا أول مرة، وأنما هي وصية الامام البنا حين يخاطب الدعاة فقال: ( دقائق الليل غالية، فلا ترخصوها بالغفلة. ([8])) .

      أفعيينا أن نعيد السمت الأول، أم غرنا اجتهاد في التسأهل والتسيب والكسل جديد ؟ أن القول عند الله لا يبدل، ولكن أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة، فثقل المغرم، ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسرا.

أن أنتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور، بل برجعة نصوح إلى العرف

الأول، ومتى ما صفت القلوب بتوبة، ووعت هذا الكلام أذن واعية، كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة.

ذلك شرط لا بد منه.وكأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال، نبيعه ونثبت لنا حقا عاجلا في الثمن من دون ان نقدم بين يدي بيعنا همسا في الأسحار، ولا الدمع المدرار، و إنما النصر هبة محضة، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا،ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئا، ويوقع أجرهم عليه.إن تعلم الإخلاص، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل، كما يقول وليد، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في النفوس. قال، والحق ما قال:

ياليل قيامك مدرسـة
 

 

 

فيها القرآن يدرسـني
 

معنى الاخلاص فالزمه
 

 

 

نهج بالجنة يجلسني
 

ويبصرني كيف الدنيـا
 

 

 

بالأمل الكاذب تغمسني 
 

مثل الحـرباء تلونها
 

 

 

بالأثم تحـأول تطمسني
 

فاباعدها وأعاندها
 

 

 

وأراقبها تتهجسني
 

فاشد القلب بخالقه
 

 

 

والذكر الدائم يحرسني([9])
 

 

 

 

وأكثر من هذا، فان من تخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله، والمتخلف عنها يابس قاس تقسو قلوب الناظرين اليه،والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القدم،شاهده، وأرشدك إليه، فقال:(بحسبك أن قوما موتى تحيا القلوب بذكرهم، وان قوما قوما أحياء تقسو القلوب برؤيتهم.([10])) فلم كان ذلك إن لم يكن ليل الأولين يقظة،وليل غيرهم نوما ؟ونهارا الأولين جدا،ونهار الآخرين شهوة

·     أتسقبك الحمامة ؟

وأنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي،يظهره تأنيبه لنفسه في قوله

انام على سهو وتبكي الحمائم
 

 

 

وليس لها جرم ومني الجرائم
 

كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلا
 

 

 

لما سبقتني بالبكاء الحمائم([11])
 

 

 

 

فان الذنب لا يغسل إلا بدمع، والشجاعة تسقى بدمع الليل، وما عرف تاريخ الاسلام رجاله إلا كذلك، ولم يقل ابن القيم باطلا في وصفه لهم بأنهم:

يحيون ليلهم بطاعة ربهم
 

 

 

بتلأوة، وتضرع، وسؤال
 

وعيونهم تجري بفيض دموعهم
 

 

 

مثل انهمال الوابل الهطال
 

في الليل رهبان، وعند جهادهم
 

 

 

لعدوهم أشجع الابطال
 

بوجوههم أثر السجود لربهم
 

 

 

وبها أشعة نوره المتلالي([12])
 

 

 

 

وسأل عبد الوهاب عزال الليل عن أرع أسراره، فأبان جوابه عن إصابه المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه، وأستمع لتحاورهما:

قلت لليل:كم بصدرك سر
 

 

 

أنبئني ما أروع الاسـرار؟
 

قال: ما ضاء في ظلامي سـر
 

 

 

كدموع المنيب في الاسـحار([13])
 

     

أفترى المؤمنين الا مصدق بجواب الليل، فهو مسارع مستبق ؟

أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال ؟ يستملون الناس.

*    فار من سبح والناس هجوع    *

*    يدفن الرغبة ما بين الضلوع   *

*    ويغشيه سكون وخشوع        *

*    سوف يغدوا ذلك الدمع شموع  *

لتضئ الدرب يوم المحشر

                        سجدة لله عند السـحر. ([14])

ويلقنون المؤمنين المخطئين طريق الجنة، فيستملون المسرف في أخرى ان:

*    عد إلى الله بقلب خاشع  *

*    وادعه ليلا بطرف دامع  *

*    يتولاك بعفـو واسـع   *

      ويبدل كل تلك السيئات      حسنات اجرها لن ينفدا

*    كل هذا العفو للعبد المنيب      *

*    سابغا من خالق الكون الرحيب *

*    للذي تاب اليه من قريب       *

 

 

Free Web Hosting